المنجي بوسنينة

240

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

باختصار . وأهمّ ما يميّزه أنه يروي أخبارا حدّثه عنها السلطان قلاوون بنفسه ، فتفرّد بذلك عن « محيي الدين بن عبد الظاهر » ( ت 689 ه ) صاحب « تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور » ، و « شافع بن علي » ( ت 730 ه ) صاحب « الفضل المأثور من سيرة السلطان الملك المنصور » ، وأتى على ذكر أمراء من المماليك كان لهم دورهم في وقائع المرحلة التي يؤرّخ لها ، لم نجد لهم ذكرا عند غيره من معاصريه ، فأثرى بذلك معارفنا بأسماء أعلام وتراجم تضاف إلى المعروف منها . وهو لا يتوانى عن سياقة الشواهد الشعرية من أبيات ومقطّعات يوردها في صلب الموضوع مصرحا بأسماء قائليها تارة أو ينسبها لأحدهم من الفضلاء الشاميين ، أو لقائل غير معروف ، تارة أخرى ، ويحفل الكتاب بنصوص الرسائل السلطانية والوثائق ، التي تقدّم أفضل صورة عن نماذج المكاتبات الرسمية والرسائل الأدبية المتبادلة بين الملوك والسلاطين في عصر المماليك . ويتناول الكتاب علاقات سلاطين المماليك بملوك الفرنج وحروب الفريقين ، وكذلك العلاقات المملوكية بالمغول والروم ، وطوائف الإسماعيلية ، والنصيرية . ولا يقتصر « بيبرس » في تاريخه على دولة المماليك في مصر والشام ، فحسب ، بل هو يشمل العراق ، وديار بكر ، والأناضول ، وخراسان ، واليمن ، والحجاز ، وتونس ، وبني مرين بفاس والمغرب ، والأندلس ، بل هو يزيد إلى التأريخ معلومات جغرافية مهمّة عندما يعرّفنا بأسماء بلاد أرمينية الكبرى وأعمالها ، فيسمّي مدنها ومواقعها ، ما يدلّ أنّه زارها وعرفها عن كثب ، وكذلك الأمر بإقليم خراسان وما فيه من مدن ، وعراق العجم وعراق العرب . وفي تاريخه ثروة من المعلومات الاجتماعية ، والثقافية ، والعمرانية ، والاقتصادية ، والصناعية ، وأخبار الغلاء ، والسيول ، والزلازل . ويكتسب تاريخه أهمّية خاصّة لكونه كان معاصرا وشاهدا للفترة التي أرّخ لها ، فقد كان حاضرا في غزوة قيسارية وأرسوف بفلسطين ، والقليعات بساحل لبنان وذلك عام 663 ه ، وشارك في فتح أنطاكية عام 666 ه ، وفي غزو سيس قاعدة الأرمن عام 673 ه . ويقدّم لنا معلومات فريدة عن المماليك السلطانية القدماء ، من الأعيان الذين كانوا في خدمة المنصور قلاوون عند تولّيه السلطنة سنة 678 ه ، والمؤلّف واحد منهم . أما الوقائع التي لم يشهدها بنفسه فكان يأخذها من أفواه من حضرها واشترك فيها شخصيّا ، كما حدث في فتح طرابلس الشام سنة 688 ه . وحين أتى على ذكر وقعة قلاوون بالتتار على حمص ، وصف كيفية تعبئة جيش السلطان وصف الحاضر المشاهد ، فعدّد أسماء أمراء الميمنة ، وأمراء الميسرة ، وأمراء القلب ، ومكان وقوف السلطان ، ووقائع المعركة بالتفصيل ، وما قيل فيها من أشعار . ونظرا لما كان يتمتّع به من ثقة السلطان قلاوون ، فقد كان يطّلع على نصوص المكاتبات التي تأتيه من الملوك والسلاطين ، ويقوم بإثباتها في كتابه ، بحيث أضفى عليه صنعة التأريخ الوثائقيّ ، لكثرة ما جمع فيه من وثائق ، ونصوص رسائل ، أو نصوص مهادنات ، أو نصوص تقليد مناصب ووظائف ، ويمكن الاستعاضة بها عمّا ضاع من كتابات « محيي الدين بن عبد الظاهر » ، حيث لم يصلنا كتابه